الشيخ محمد رشيد رضا

215

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا الاختيار صيغة تكلف من مادة الخير كالانتقاء من النقي ( بالكسر ) وحقيقته دهن العظام ومجازه لباب كل شيء والاصطفاء من الصفو - والانتخاب من النخب وأصله انتزاع الصقر وغيره من الجوارح قلب الطائر ثم صار يقال لكل من انتزع لب الشيء وخياره : نخبه وانتخبه وتطلق النخبة ( بالضم مع سكون الخاء وفتحها ) على الجيد المختار من كل شيء كما أطلقوا النخب والنخيب والمنتخب على الجبان الذي لا فؤاد له والافين الذي لا رأي له ، كأنه انتزع فؤاده وعقله بالفعل . والكلام معطوف على ما قبله ، والمعنى : وانتخب موسى سبعين رجلا من خيار قومه للميقات الذي وقته اللّه تعالى له ودعاهم للذهاب معه إلى حيث يناجي ربه من جبل الطور ، فالاختيار يكون من فاعل مختار وشيء مختار منه فيتعدى للثاني بمن وكأن نكتة حذف « من » الإشارة إلى كون أولئك السبعين خيار قومه كلهم لا طائفة منهم « 1 » فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أي فلما أخذتهم رجفة الجبل وصعقوا قال موسى يا رب انني أتمنى لو كانت سبقت مشيئتك أن تهلكهم من قبل خروجهم معي إلى هذا المكان فأهلكتهم واهلكتنى معهم حتى لا أقع في حرج شديد مع بني إسرائيل فيقولوا قد ذهبت بخيارنا لاهلاكهم - أي وإذ لم تفعل من قبل فأسألك برحمتك أن لا تفعل الآن - وهذا مفهوم التمني فقد أراده موسى ولا يبعد أن يكون قد نطق به إذا كانت لغته لا تدل عليه كلغتنا وكان من ايجاز القرآن الاكتفاء بذكر التمني الدال عليه . واختلف المفسرون هل كان هذا بعد أن أفاق موسى من صعقة تجلى ربه للجبل عقب سؤاله الرؤية إذ كان من معه من شيوخ بني إسرائيل ينتظرونه في مكان وضعهم فيه غير مكان المناجاة كما تقدم ؟ أو كان بعد عبادة العجل ذهبوا للاعتذار وتأكيد التوبة

--> ( 1 ) والنحويون يعدون مثل هذا الحذف لحرف الجر وايصال الفعل بالمفعول ونصبه مباشرة سماعيا لا قياسيا على كثرته ومنه قول الفرزدق : ومنا الذي اختير الرجال سماحة * وجودا إذا هب الرياح الزعازع وقول الآخر فقلت له اخترها قلوصا سمينة * ونابا علابا مثل نابك في الحيا اي اختر من الإبل ناقة قلوصا اي طويلة القوائم وهي أول ما يركب ، ونابا وهي السنة